إعلان

حدود "تفكيك هيمنة الدولار".. لماذا اختارت الرياض الحذر المالي على حساب طموحات بكين الرقمية؟

بقلم: قسم التحليل المالي بالشبكة

 

عندما انضمت المملكة العربية السعودية إلى مشروع منصة التسويات الرقمية عبر الحدود "mBridge"، نظر النقاد والأسواق بوجل إلى هذه الخطوة باعتبارها لبنة جديدة في صرح "البترويوان"، وشبحاً يهدد عرش الدولار الذي هيمن على تسويات النفط لنصف قرن. غير أن القرار الأخير بالانسحاب المباشر يبعث برسالة حازمة للأسواق المالية العالمية: "الواقعية المالية وتوازنات القوة النقدية ما زالت تتقدم على التجريب التكنولوجي المبتكر".  

1. معضلة "البترودولار" والأصول السيادية

بالنسبة للمخطط المالي في الرياض، لا يمكن فصل أي خيار نقدي عن هيكل الثروة الوطنية:

ربط العملة والاحتياطيات: الريال السعودي مرتبط بالدولار الأمريكي بسعر ثابت، وأغلب أصول "صندوق الاستثمارات العامة" (PIF) والاحتياطيات الأجنبية مقومة بـ USD والأوراق المالية الخزينة الأمريكية.

تكلفة المخاطرة: الانخراط الكامل في نظام تسوية رقمي بديل ترعاه بكين كان سيخلق هشاشة نقدية، ويرفع من تكاليف التحوط ضد مخاوف السيادة على البيانات وتقلبات المعايير الرقمية.

2. الضغوط التنظيمية وجيوسياسة "سويفت" (SWIFT)

مشروع mBridge—الذي وُلد تحت مظلة بنك التسويات الدولية (BIS) بجهود مركزية من بنك الشعب الصيني—صُمم في الأصل لتجاوز وساطة البنوك المراسلة الغربية وتقديم تسويات فورية بالعملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs).

موقف المؤسسات الغربية: عقب انسحاب بنك التسويات الدولية (BIS) نتيجة مخاوف واشنطن وبروكسل بشأن استخدام الشبكات الموازية في التفاف الجيوسياسي على العقوبات، أصبحت المنصة أداة مركزية صينية مائة بالمائة.

الموقف السعودي: المملكة لا تريد أن تجد مؤسساتها المالية في موقف تعارض مع تشريعات الامتثال الغربية أو الخضوع لمراقبة تنظيمية دقيقة قد تطال تدفقاتها الاستثمارية مع الغرب.

3. الدبلوماسية المالية: التحوّط التكتيكي مقابل الالتزام الهيكلي

يعكس هذا القرار استراتيجية "الموازنة النقدية" التي تنتهجها القوى الاقتصادية الناشئة والكبرى في الشرق الأوسط:

المرحلة الاستكشافية: المشاركة في "إثبات المفهوم" (Proof of Concept) سمحت للبنك المركزي السعودي (ساما) باكتساب الخبرة الفنية والتكنولوجية واختبار آليات التسوية الرقمية المباشرة.

المرحلة التنفيذية: عندما تحول المشروع من تجربة تقنية إلى منصة استراتيجية لمواجهة الدولار، اختارت الرياض الاكتفاء بالنفع الفني والانسحاب قبل الدخول في التزامات تشغيلية ملزمة قد تكلّفها شراكتهما الأمنية والمالية مع واشنطن.

الخلاصة للأسواق

انسحاب السعودية ينفي الأطروحات المتسرعة حول القضاء القريب على نظام "البترودولار". وبينما تتواصل مساعي الصين لبناء بنية تحتية مالية رقمية موازية، أثبتت التجربة السعودية أن الدول النفطية الكبرى تفضل حتى الآن الاستقرار المالي والسلامة النقدية للأنظمة التقليدية على المغامرات التحولية غير محسوبة المخاطر.

 
شارك الخبر:

التعليقات (0)