ياسر سليم
في اللحظة التي احتشد فيها لاعبو منتخب مصر العظيم، حول الحكم مطالبين بالعودة إلى تقنية الفيديو المساعد بعد الهدف الثالث للأرجنتين، لم تكن عدسات النقل التلفزيوني تصوّر تلك المطالبة. كانت مشغولة، في تلك الثانية بالذات، بنقل احتفالات الجهاز الفني الأرجنتيني. مشهد عابر، ربما، لكنه يختصر سؤالًا أعمق بكثير من نتيجة مباراة: من يملك القرار حين تتحول الصورة نفسها إلى دليل؟ من المفترض أن تكون التكنولوجيا عينًا محايدة، الوهم الشائع أن تقنية الفار، بما تحمله من دقة رقمية وحياد آلي، تقف فوق الأهواء البشرية. لكن الحقيقة معقدة أكثر من دهاليز الفيفا: كل كاميرا يختارها مخرج، وكل زاوية تصوير يقررها فني، وكل لقطة تُعرض على غرفة المراجعة هي بالأساس اختيار بشري سبق القرار التقني. الخوارزمية أو التقنية لا تُنتج عدالة من فراغ، بل تعالج ما يُقدَّم لها فقط. وحين تُحجب لقطة، أو تتأخر زاوية، أو يُمنح مشهد احتفال أولوية على مشهد اعتراض، فإن التحيز البشري يتسلل من الباب الخلفي لتقنية صُممت أصلًا لسده. هنا لا إدانة للتقنية، بقدر ما هي تذكير بحدودها. فحكم الفيديو المساعد، مثله مثل أي نظام ذكاء اصطناعي، لا يعمل في فراغ؛ هو رهين جودة البيانات المعروضة عليه ونزاهة من يديرها. وحينما يتنصل البشر من مسؤولياتهم خلف ستار "قرار التكنولوجيا"، تتحول الأداة التي وُجدت لكشف الظلم إلى غطاء جديد له. هنا الكاميرا صانعة قرار لا مجرد شاهدة. ولطالما كانت العدالة الكروية، قبل عصر الفيديو، رهينة لحظة عابرة يراها حكم واحد من زاوية واحدة. وجاءت التقنية لتُنصف الأضعف، وتفضح التسلل، وتمنع الخطأ الفادح من أن يقرر مصير بطولة. لكنها في الوقت نفسه نقلت السلطة من الملعب إلى غرفة مغلقة، لا تخضع لمساءلة مباشرة، ويتحكم فيها من يختار ما يُعرض وما يُهمل. الكاميرا لم تعد ناقلة للحدث فحسب، بل صارت شريكة في صناعته. ومنعا لتكرار الظلم التحكيمي الذي وقع على مصر انحيازا للأرجنتين، يكمن الحل في إخضاع التقنية لضوابط شفافة. من ذلك: منح كل فريق حقًا محدودًا لطلب مراجعة لقطة معينة مرة في كل شوط، أسوة بالوقت المستقطع في رياضات أخرى؛ ونشر تسجيلات كاملة لغرف المراجعة بعد المباريات لخضوعها للتدقيق المستقل؛ وتشكيل هيئات رقابية مستقلة عن الاتحادات المنظّمة نفسها لمراجعة أداء التقنية دوريًا. هذه ليست ترفًا إداريًا، بل شرط أساسي لبقاء ثقة الجماهير في نظام صُمم أصلًا لحمايتها. هنا العدالة تبدأ من الحوكمة لا من الخوارزمية، فاللعبة تتطور، والبطاقة الحمراء نفسها لم تظهر إلا في مونديال 1970. لكن كل تطور تقني يحمل في طياته اختبارًا أخلاقيًا جديدًا. فمستقبل كرة القدم، كمستقبل أي مجال يعتمد على الذكاء الاصطناعي، لن تحدده جودة الكاميرات أو سرعة المعالجة، بل نزاهة من يصمم هذه الأنظمة ويديرها ويُحاسَب على قراراتها. العدالة، في الملعب كما في الحياة، لا تُصنع بالتكنولوجيا وحدها، بل بالإنسان الذي يقف خلفها ويتحمل مسؤولية ما تراه عدسته وما تتجاهله.
التعليقات (0)